عبد الوهاب الشعراني
214
تنبيه المغترين
رحمه اللّه تعالى يقول : نظرت في قيام الليل فإذا الحارس يحرس الليلة كلها بدانقين أفيطلب أحدكم الجنة بسهر ليلة واحدة بعبادة لعلها لا تساوي دانقين وربما منّ بها على ربه . وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : السلامة من الرياء والنفاق في العلماء والقراء أعز من الكبريت الأحمر لأن أحدهم لا يقدر على سماع قول الناس ما أعلم فلانا أو ما أحسن صوته بالقرآن إلا ويحصل عنده العجب بذلك ، وإن قالوا ليس هو بعالم ولا حسن الصوت شق عليه وكاد يموت غما وذلك من أكبر علامات الرياء ثم يشرع في تحسين حاله رياء وسمعة . وكان السري السقطي رحمه اللّه تعالى يقول : كل من ظن بنفسه أنه محسن فهو ممن زين له سوء عمله ومن لم يظن أنه هالك فهو هالك ، وقد قال رجل لعبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يا إمام إني لا أرى نفسي أحسن حالا ممن قتل بين يدي نفسا ظلما ، فقال له عبد اللّه : إن أمنك على نفسك لشر ممن قتل نفسا ظلما ، وكان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول : إذا رأيت العبد لجوجا مماريا بالعلم معجبا بنفسه فاعلم أنه قد استكمل الخسارة ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : من أعجب بعمله فهو قدري لأنه لو رأى العمل خلقا للّه تعالى لم يعجب به . ( قلت ) وذلك في العمل الحسن أما العمل السيء فلا يجوز له تعزية نفسه عنده بل الواجب عليه أن يتوب منه ويندم ويستغفر منه واللّه أعلم ، وقد كان لعطاء السلمي رحمه اللّه تعالى مخنثون يخدمونه في بيته ويوضئونه فقيل له : ألم تستقذر هؤلاء أن يكونوا في بيتك ، فقال : واللّه أنهم عندي أطهر من نفسي وأقل ذنوبا وأقل رياء ونفاقا فكيف أستقذرهم ، وقد كان أبان بن عياش رحمه اللّه تعالى يقول : لا يكره العمل بالرخص إلا معجب بنفسه أو صاحب هوى ، أي لأن الرخص لا يحمد أحد فاعلها فلا يحصل عنده عجب . وقد كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يخاف من العجب كل الخوف ، وكانوا إذا أثنوا عليه خيرا يقول : اللهم اجعلني خيرا مما يقولون واغفر لي ما لا يعلمون ، وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا أثنوا عليه خيرا يقول : اللهم أني أعوذ بك من شر ما يقولون وأسألك أن تغفر لي ما لا يعلمون ، وقد قال رجل لعائشة رضي اللّه عنها يا أم المؤمنين متى يعلم الرجل أنه من المحسنين ؟ فقالت : إذا علم أنه من المسيئين ، فقال الرجل : ومتى يعلم أنه من المسيئين ؟ قالت : إذا رأى نفسه من المحسنين ، قال : وحضر بكر بن عبد اللّه المزني ومطرف بن عبد اللّه رحمهما